عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
356
اللباب في علوم الكتاب
التّهلكة ، فبلغ عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - ذلك ؛ فقال : كذبوا قال اللّه تعالى : مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ « 1 » [ البقرة : 207 ] . ولقائل أن يجيب عن هذه الآية ؛ فيقول : إنّما حرمنا إلقاء النفس في صفّ العدوّ ، إذا لم يتوقع إيقاع النكاية فيهم ، فأما إذا توقع ، فنحن نجوز ذلك ، فلم قلتم إنّه يوجد هذا المعنى في هذه الوقائع ؟ الوجه الثالث من تأويل الآية : أن يكون هذا متّصلا بقوله سبحانه : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ [ البقرة : 194 ] أي : فلا تحملنّكم حرمة الشهر على أن تستسلموا لمن قاتلكم ، فتهلكوا بترككم القتال ، فإنّكم بذلك تكونون ملقين بأيديكم إلى التهلكة « 2 » . الوجه الرابع : أنّ المعنى : أنفقوا في سبيل اللّه ، ولا تقولوا : إنّا نخاف الفقر ، فنهلك إن أنفقنا ، ولا يبقى معنا شيء ، فنهوا أن يجعلوا أنفسهم هالكين بالإنفاق ، والمراد من هذا الفعل والإلقاء الحكم بذلك ؛ كما يقال جعل فلان فلانا هالكا ، وألقاه في الهلاك ؛ إذا حكم عليه بذلك « 3 » . الوجه الخامس : قال محمد بن سيرين ، وعبيدة السّلمانيّ : هو أنّ الرجل يصيب الذنب الذي يرى أنه لا ينفعه معه عمل ؛ فيستهلك في المعاصي ، فذلك هو إلقاء النفس إلى التهلكة « 4 » ؛ فحاصله أنّ معناه النّهي عن القنوط من رحمة اللّه تعالى ؛ لأن ذلك يحمل الإنسان على ترك العبودية ، والإصرار على الذنب « 5 » . الوجه السادس : يحتمل أن يكون المراد « أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ » ولا تلقوا ذلك الإنفاق في التهلكة ، والإحباط ؛ وذلك بأن تفعلوا بعد ذلك الإنفاق فعلا يحبط ثوابه ، إما بذكر المنّة ، أو بذكر وجوه الرياء ، والسّمعة ؛ ونظيره قوله تعالى وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ [ محمد : 33 ] . وروي عن عكرمة « 6 » : الإلقاء في التهلكة ، قال تبارك وتعالى : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ [ البقرة : 267 ] . وقال الطّبريّ : هو عامّ في جميع ما ذكر ، لأن اللفظ يحتمله . قوله « وأحسنوا » اختلفوا في اشتقاق « المحسن » ، فقيل : مشتقّ من فعل الحسن ،
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 2494 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 431 ) وزاد نسبته لوكيع والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن المغيرة بن شعبة . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 117 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 117 . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » 3 / 589 عن محمد بن سيرين وعبيدة السلماني . ( 5 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 117 . ( 6 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 242 .